الشيخ محمد زاهد الكوثري

29

العقيدة وعلم الكلام ( ويليه نظرة عابرة في مزاعم من ينكر نزول عيسى ( ع ) قبل الآخرة و . . . )

اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ ذلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتى [ الرّوم : 50 ] وقد عرضت سورة الزخرف التي وردت فيها هذه الآية إلى هذا المعنى في أولها : وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ تُخْرَجُونَ ( 11 ) [ الزّخرف : 11 ] . وهذه هي الطريقة المستقيمة المنتجة في الاستدلال المقتلعة للشك . أما أن يلفت أنظارهم إلى أشياء يخبرهم هو بها كنزول عيسى ، وهي أيضا في موضع الشك عندهم ، ويطلب منهم أن يقتلعوا بهذه الأشياء ما في قلوبهم من شك فذلك طريق غير مستقيم ، لأنه استدلال على شيء في موضع الإنكار بشيء هو كذلك في موضع الإنكار ! 2 - ومما يؤيد هذا قول اللّه تعالى تفريعا على أن عيسى علم للساعة : فَلا تَمْتَرُنَّ بِها [ الزّخرف : 61 ] فإنه يدل على أن الكلام مع قوم يشكون في نفس الساعة ، والعلامة إنما تكون لمن آمن بها وصدق أنها آتية لا ريب فيها ، أما الذي ينكر وقوعها أو يشك فيها فهو ليس بحاجة إلى أن يتحدث معه عن علامتها ، بل لا يصح أن يتحدث في ذلك معه ، وإنما هو بحاجة إلى دليل يحمله على الإيمان بها أولا ليمكن أن يقال له بعد ذلك : هذا الذي آمنت به علامته كذا . 3 - ثم إنه من الأصول المقررة في فهم أساليب اللغة العربية أن الحكم إذا أسند في اللفظ إلى الذات ، ولم تصح إرادتها معنى ، قدر في الكلام ما كان أقرب إلى الذات وأشد اتصالا بها . فإذا طبّقنا هذه القاعدة على قوله تعالى : وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ [ الزّخرف : 61 ] وعلمنا أن ذات عيسى من حيث هي لا يصح أن تكون مرادة هنا ، وأنه لا بد من تقدير في الكلام ، ثم وازنا بين النزول ، والخلق من غير أب ، وإحياء الموتى ، فلا شك أننا نجد الخلق من غير أب أقرب هذه الثلاثة إلى الذات ، لأنه راجع إلى إنشائه وتكوينه لا إلى شيء عارض له ، وحينئذ يتعين الحمل عليه ويكون معنى الآية الكريمة : ( لا تشكّوا في الساعة ، فإن الذي قدر على خلق عيسى عن غير أب قادر عليها ) . وبهذا يتبين : أولا : أن الإخبار بنزول عيسى لا يصلح دليلا على الساعة يقتلع به ما في نفوس المنكرين لها من شك ويصح أن يقال عقبه : فَلا تَمْتَرُنَّ بِها [ الزّخرف : 61 ] .